فوزي آل سيف
7
فقه العلاقات الاجتماعية
الانفصال بين العقيدة والعمل : إذا كان الدين الإسلامي قد حفظ كتابه ورسالته من التحريف اللفظي ، فهذا ليس نهاية المطاف ، ذلك أنه قد حصل ما ينتهي من الناحية العملية إلى نفس مؤديات التحريف اللفظي ـ إجمالاً ـ . الذي حصل هو الانفصال بين ما يعلنه القرآن من العقائد وما يدعو إليه من الأخلاق وما يريده من الحكم الشرعي من جهة وبين عمل المسلمين الملتزمين بهذه الرسالة وأفعالهم. فإذا كان من الغريب أن تجد أحداً المسلمين يقول إن الله غير موجود أو أن الله له شريك أو يتحدث عن نسبة الخطيئة للأنبياء .. إلا أنك تجد كثيراً من المسلمين لا يلتزمون بتوجيهات الدين مع زعمهم الانتماء إليه ، فهو في السوق يهودي الشخصية في عبادة المال وكأنه لا يصدق بوعد الله وجنته . وإذا جاء وقت العدل في القضاء أو الحكم فكأنه لم يقرأ ( ولاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )[29] . وإذا كان في موقف الغضب وأخذه زمع التدمير والفساد ، لا يتذكر ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اْلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)[30].. إن هذا الفصل الحادث بين الانتماء إلى الدين ، والاعتقاد به ، وبين تطبيقه على جوارح الإنسان ، وحياته ، وتحكيمه في أمواله .. يجعل آثار الرسالة الخالدة والراقية غير ملحوظة في حياة الناس .. وهي من هذه الجهة تتساوى مع الدين المحرف . الفقه قانون التنظيم الاجتماعي وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصلاحهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" [31]. ماهو موقع الدين في هذه الحياة ؟ هناك نظريتان أجابتا على هذا السؤال : الأولى :تقول بأن دور الدين يبدأ من حين وفاة الإنسان وانتقاله إلى عام الآخرة ، فإن الإنسان بدءا من تلك اللحظات يحتاج إلى الدين ، فإنه حينئذ يلقن عقائده ويذكر حين دفنه شيء من الأذكار كما هو الحال عند المسلمين ، وهكذا الحال عند المسيحيين واليهود وذلك أنه سيرد على عالم القيامة ، ويحتاج في ذلك العالم إلى القضايا الدينية ، وأما قبل تلك الفترة فهو لا يحتاج بشكل أساس إلى الدين . وإنما وجود الدين في حياة الإنسان اليومية هو أمر كمالي وليس ضرورياً أو أساسيا . وهذه الفكرة منتشرة في العالم المسيحي ، بالنسبة إلى ديانتهم[32] ، ومن خلال هذه الحالة ، وعلى اثر دراسة عدد من المسلمين الثقافة الغربية وتأثرهم بها انتقلت هذه الفكرة والنظرة تجاه الدين إلى حياة المسلمين وتأثروا بها .
--> 29 ) المائدة8 30 ) محمد:22 31 ) الأعراف 85 32 ) بالرغم من أن من الأخطاء الشائعة والمتداولة على الألسن أن الديانة المسيحية واليهودية هي مجرد توصيات أخلاقية أو مجرد عقائد ولا يوجد لديها نظام وبرنامج وطريقة حياة بينما الإسلام فيه هذه الأمور .. إلا أن هذا كلام خاطئ بل كل الديانات السماوية فيها نظام وبرنامج حياة غير أن الإسلام فبه برنامج أكمل وأفضل وأعد لإدارة الحياة البشرية إلى نهاية التاريخ ، بينما كانت تلك الديانات محدودة بزمان معين ، وإلا فإن كل رسالة سماوية لابد أن تحتوي على ثلاثة أضلاع :العقائد و النظام الأخلاقي والبرنامج القانوني وهو الفقه الذي نسميه الآن،ولا يمكن لرسالة سماوية أن تخلوا من هذه الأمور الثلاثة، والمفروض أنها جاءت من الله من أجل إدارة شؤون البشر على الأقل ضمن المقطع الزمني الذي نزلت فيه .